ابن تلميذ
10
مقالة في الفصد
يتضح من مجمل ما تقدمه نظرية الأخلاط من أسس نظرية للفصد أن رواد هذه النظرية لم تكن لديهم فكرة واضحة عن الدوران الدموي في الجسم لأن هذه النقاط المنتقاة للفصد لا معنى لها إذا علمنا أن الدم يجوب الجسم كله خلال دقيقة واحدة . وقد رأينا قبل قليل ابن سينا يعرض آراء جالينوس حول تشكل الدم فيقول بأن الدم مشتق من الكيلوس الذي يصير دما وأخلاطا أخرى في الكبد ، ومن الكبد ينطلق الدم عبر الوريد الأجوف العلوي إلى القلب الأيمن ، ومن القلب قسم منه يذهب للرئتين لتغذيتهما وقسم آخر يمر إلى البطين الأيسر عبر منافذ في الجدار بين البطينين . وفي البطين الأيسر يتهوى الدم ويختلط بالروح الحيواني ثم ينطلق من هذا البطين عبر الشريان الأبهر لإمداد كافة الجسم بالروح الحيواني « 15 » . ولم ترد فكرة دوران الدم عند جالينوس أو حتى فكرة عودة الدم إلى القلب ، بل كان يعتقد أن الكبد مصدر القوى الطبيعية ، يكون الدم بصورة مستمرة . ثم يصدره إلى الأعضاء حيث يتلاشى ( الدم ) فيها . ومهمة الأوردة عند جالينوس هي حمل الدم من الكبد إلى الأعضاء . أما تغذية الأعضاء بالدم كما يراها جالينوس فهي تتم ببطء عبر أقنية تنفتح دوريا كنظام سقاية ، مما يهيء لركود وتراكم الأخلاط . من هنا أتت فكرة تحريك الدم والأخلاط من العضو للحيلولة دون تراكمها . سادت نظرية الأخلاط قرونا عديدة ، وأخذ الأطباء على اختلاف عهودهم ومذاهبهم بنظرية جالينوس في الدوران الدموي خلال ما ينوف عن الخمسة عشر قرنا . وكما سيأتي معنا فإن نظرية الأخلاط ستنقض على مر القرون وسيتضح بما لا يدع مجالا للشك بأن الدم يجوب الجسم بسرعة كبيرة ، فهو يعود إلى النقطة التي انطلق منها في الذراع خلال ثلاثين ثانية ، ومن الطرف السفلي خلال دقيقة واحدة « 16 » . ولكن هذا لن يغير شيئا من إقبال الأطباء على الفصد ، بل سيجدون في الاكتشافات
--> ( 15 ) - Max Meycrhof : Isis june 1935 P : 23 - 116 ( 16 ) - Flourens : Decouverte de la circulation ; P : 14